المناوي

311

طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )

بالهواء بينه وبين الأرض نحو ذراعين ، فصار يمدّ يده وهو في الهواء يلتقط النوى من الجامع ، وقال له : ما أتى بك إلى هنا يا زين العابدين ؟ مع أنّه ما رآه قطّ ولا يعرفه . وكان يقعد بعض الأحيان بجامع المرآة ، فيأتيه جماعة من الهواء على نوق فيسلّمون ، ثمّ يرتفعون . وجاء إليّ يوما وهو منزعج ، فقلت له : ما لك ؟ فقال : أمطرت على رأسي سحابة من الفلوس الجدد ، فلو لا أنّي اقترفت أمرا عظيما ما وقع لي ذلك ، وما هذا إلّا من مصالحكم التي توجّهوني إليها في مطالبات الناس بخراجكم أو معلومكم ، ولا أستطيع أن أخالفكم . وكان كريما سخيّا جوادا ممدّحا يستوي عنده الذّهب والحجر ، ولا تدور يده على شيء ويبقيه ، ولا أعرف من أين ذلك يأتيه ، ولم يكن له سبب ولا وظيفة ولا مرتّب في جوالي ولا غيره ، وإنما كان باسمه وقاية لي ، لا يتناول منه حبّة واحدة ، واللّه بكلّ شيء عليم . وكان يخصّ بزيادة الإحسان من يعلم أنّه يبغضه ويعاديه ، ويحسن إلى عيالي ويوسّع عليهم من عنده ، ويقول لهم : بشرط أن لا تعلموا سيّدي بذلك ، ولم يقع قطّ أنّه ذكرني في حضوري أو غيبتي إلّا بلفظ سيّدي حتّى مات ، واللّه ، واللّه ، ما أغضبني عمره ، ولا أدخل عليّ ما أكره . ومن خوارقه : أنّه دخل عليّ صبيحة يوم ، فقال لي : أعطوني في هذا الوقت مفتاحا من حديد طوله نحو ذراع ، وكلّ سنّ من أسنانه نحو شبر ، وقالوا : خذ هذا المفتاح ، فقلت لهم : هذا ثقيل ولا أطيق حمله ، فقالوا لي : أعطه لأبيك ، فما تمّ هذا اليوم حتى جاءتنا حجّة التقرير في الصلاحية ، ولم يكن لنا علم بأنّها انحلّت ، فخالطتنا الناس . وكان مولانا العبد الصالح العالم الفاضل الشيخ محمد الكلبي كثير الإهداء إليه من المأكل والمشرب وغير ذلك ، وقلّ يوم إلّا ويرسل له شيئا ، فأرسل له في ثاني يوم عيد الفطر رأسا من الغنم فردّها ، فقلت : لم فعلت ذلك ؟ كم قبلت منه ! وكم أخذت ! فردّ هذا من الرّعونة . فقال : شممت منه رائحة متغيّرة منتنة ،